روايات كاملة

حالة طوارئ

شقة دكتورة إيمان – قبل الغروب بقليل

الخامسة مساءً. صوت المنبه على هاتفي ليس إلا همسة إلكترونية، لكنها كافية. لا أذكر آخر مرة احتجت فيها لزر الغفوة. يبدو الأمر كنوع من المراوغة الذاتية التي لا أملك الوقت لها. أفتح عيني على السقف الأبيض المألوف. لا شيء تغير. لا شيء يجب أن يتغير.

أنهض من السرير وأتحرك في شقتي التي أعرفها عن ظهر قلب. كل شيء في مكانه الصحيح، من فرشاة الأسنان في الكوب بجوار الحوض إلى حذائي الذي ينتظر بجانب الباب. إنه نظام بسيط، يساعد على التفكير بوضوح.

أمام المرآة، الماء البارد على وجهي يمحو آخر خيوط النوم. الوجه الذي يحدق بي هو وجه امرأة تعرف ما ينتظرها. يقولون إن العمل في الطوارئ يترك أثره عليك. أرى الخطوط الدقيقة حول عيني، وأفكر أنها ليست أثرًا، بل سجل. سجل بالليالي الطويلة والقرارات التي يجب اتخاذها في ثوانٍ.

بينما أرتدي ملابسي، تبدأ صور المناوبة القادمة في التشكل في ذهني. أتساءل إن كان دكتور أمجد قد وصل بالفعل. غالبًا ما يفعل، يتجول في القسم وكأنه لا يستطيع التنفس في أي مكان آخر. يبدو أكثر حيوية عندما تكون الممرات مليئة بالنقالات وصفارات الإنذار. الهدوء يجعله متوترًا.

وبالطبع، سأجد نهى في محطة الممرضات، غارقة في شاشة هاتفها. دائمًا ما تتصفح تلك الصور اللامعة لحياة الآخرين، ثم ترفع عينيها وتنظر حولها بابتسامة باهتة لا تصل إلى عينيها أبدًا.

أما دكتور كريم، فسيكون هناك، ينتقل بين غرف المرضى بهدوئه المعهود. لديه تلك الموهبة في جعل المرضى وعائلاتهم يتعلقون به. يبقى معهم لفترة أطول قليلاً من اللازم، يستمع إلى قصصهم، ويخرج من الغرفة بذلك التعبير الذي يوحي بأنه قد امتص شيئًا منهم للتو.

أنهي قهوتي السوداء وأنا أراقب أضواء المدينة تبدأ في الظهور. هناك في الخارج، ملايين القصص على وشك أن تُكتب الليلة. وقريبًا، سيصل بعض أبطال تلك القصص إلى بابي، محطمين ونازفين. ومهمتي، كما هي دائمًا، هي إعادة كتابة نهاياتهم.

حان وقت العمل.

المستشفى – 6:55 مساءً

أوقف سيارتي في الموقف المخصص للموظفين. الساعة تقترب من السابعة. الواجهة الزجاجية الضخمة للمستشفى تعكس آخر خيوط الشفق البرتقالي، لامعة وبراقة مثل إعلان عن الكفاءة والنظافة. من الخارج، يبدو المكان وكأنه وعد بالشفاء. أنا أعرف ما يوجد في الداخل.

الأبواب الأوتوماتيكية تنفتح أمامي بصمت، وتستقبلني رائحة المطهرات الممزوجة برائحة القهوة الخفيفة. رائحة مألوفة، رائحة بداية العمل. أسير في الممرات الواسعة، وصوت حذائي يصدر صدى منتظمًا على الأرضية المصقولة. كل شيء هنا مصمم ليبعث على الهدوء، من الألوان المحايدة على الجدران إلى اللوحات الفنية الهادئة. إنه هدوء واجهة المحل.

عندما أدخل قسم الطوارئ، أجد الهدوء مختلفًا. إنه ليس هدوء الطمأنينة، بل هدوء الترقب. هدوء ما قبل العاصفة. هناك عدد قليل من المرضى في منطقة الانتظار، حالات بسيطة على الأغلب – طفل مصاب بالحمى، رجل يمسك بمعصمه المتورم.

ألمح دكتور أمجد كما توقعت. لا يرتدي معطفه الطبي بعد، يتكئ على حافة مكتب الاستقبال ويتحدث مع إحدى الممرضات. يضحك، لكن عينيه تتحركان باستمرار نحو مدخل سيارات الإسعاف، كأنه ينتظر وصول ضيف مهم.

على الجانب الآخر، في محطة الممرضات، تجلس نهى. هاتفها في يدها، بالطبع. تمرر إصبعها على الشاشة بسرعة، ثم تتوقف، وتتجهم ملامحها للحظة قبل أن تمسح التعبير عن وجهها وتعود للتمرير. لم تلاحظ دخولي حتى.

أرى دكتور كريم يخرج من غرفة فحص مريض من المناوبة السابقة. يضع يده برفق على كتف سيدة تبكي بهدوء بجانب سرير زوجها. يقول لها شيئًا بصوت خفيض، فتومئ برأسها بامتنان وعيناها مليئتان بالدموع. يبقى لحظة إضافية، نظراته معلقة بها، قبل أن ينسحب بهدوء. إنه يتقن هذه اللحظات.

أتوجه إلى غرفة الأطباء لأرتدي معطفي الأبيض. أجد دكتور مروان يتحدث بحماس مع رئيس القسم عند لوحة الحالات. يشير إلى شاشة الأشعة السينية، وصوته مليء بالحماس. أسمع كلمات مثل "حالة نادرة" و"فرصة للنشر". إنه لا يرى مريضًا، بل يرى سطرًا جديدًا في سيرته الذاتية.

بينما أرتدي المعطف، أرى د. سمير يدخل الغرفة ليأخذ أغراضه. وجهه متجهم كالعادة. يمر بجانب ممرض متدرب أسقط بعض الشاش المعقم عن طريق الخطأ في الممر. لا يقول سمير كلمة، لكن نظرته الحادة تجعل الشاب ينتفض ويبدأ في جمع الأغراض المتناثرة بارتباك شديد. سمير يكره الأخطاء، يكره أي شيء يذكره بأن الأمور يمكن أن تخرج عن السيطرة.

ألقي نظرة على الساعة. السابعة وخمس دقائق. في تلك اللحظة، يدخل دكتور هاني إلى غرفة الأطباء، يلهث قليلاً.

"ازدحام مروري…" يقولها كتفسير جاهز، رغم أننا جميعًا نعرف أنه دائمًا ما يصل في آخر لحظة ممكنة.

يرمي مفاتيحه في خزانته ويمسح جبينه بتعب مصطنع. هو لا يبدأ المناوبة، بل يستسلم لها.

أخرج من الغرفة. الآن اكتمل الطاقم. كل قطعة في مكانها. كل لاعب يستعد لدوره. أتوجه إلى محطة العمل الرئيسية، وأفتح سجل الحالات على الكمبيوتر.

"مساء الخير جميعًا،" أقول بصوت هادئ ومحايد يقطع الصمت.

الساعة الآن السابعة وعشر دقائق. تبدأ مناوبتي.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button